يحلل الدكتور نيل كويليام التحولات العميقة في سلوك دول الخليج بعد تصاعد الصراع مع إيران واستمرار الحرب في غزة، حيث يدفع التصعيد هذه الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الأمنية. ويرى أن الاعتماد الطويل على المظلة الأمريكية لم يعد كافيًا، خاصة بعد أن وجدت دول مجلس التعاون نفسها في قلب الهجمات الإيرانية، نتيجة ارتباطها بسياسات واشنطن في المنطقة.
في هذا السياق، يوضح تحليل تشاتام هاوس أن الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أدخلت المنطقة في دوامة من العنف، وكشفت حجم التكلفة التي تتحملها دول الخليج مقابل شراكتها مع واشنطن، ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا أيضًا، خاصة مع قبولها دورًا محدودًا في خطة دونالد ترامب للسلام في غزة.
خطة غزة بين الطموح والواقع
يقدم ترامب خطته للسلام باعتبارها بداية “شرق أوسط جديد”، لكن دول الخليج ترى واقعًا مختلفًا. تتجاهل الخطة جذور الصراع، مثل الاحتلال وحقوق الفلسطينيين، وتركز على ترتيبات أمنية واقتصادية دون معالجة سياسية حقيقية.
تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، ما يضعف فرص تثبيت وقف إطلاق النار. كما يثير استبعاد الفلسطينيين من صياغة الحل مخاوف من فقدان أي شرعية سياسية للخطة.
ورغم هذه التحفظات، تدعم دول الخليج الخطة لاعتبارات عملية، إذ تسعى إلى وقف الحرب وتقليل الخسائر الإنسانية، مع الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
معضلة الاعتماد على واشنطن
تجد دول مجلس التعاون نفسها في موقف معقد، حيث تفرض عليها شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة دعم سياساتها، حتى عندما تتعارض مع مصالحها المباشرة. وقد كشفت الضربات الإيرانية الأخيرة هشاشة هذا الاعتماد، وأظهرت أن الحماية الأمريكية لا تمنع تعرض هذه الدول للخطر.
تتزايد القناعة داخل الخليج بأن الضمانات الأمنية التقليدية لم تعد كافية، خاصة في ظل تردد واشنطن في كبح التصعيد أو فرض حلول سياسية متوازنة. كما تعزز هذه التطورات الشعور بأن المنطقة تتحمل كلفة قرارات لا تتحكم فيها.
في الوقت نفسه، تدرك دول الخليج أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، ما يدفعها إلى البحث عن خيارات بديلة.
تبني القوة الصلبة وتنويع الشركاء
تتجه دول الخليج تدريجيًا نحو تعزيز قدراتها العسكرية الذاتية وتبني مفهوم “القوة الصلبة”، بدل الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية. ويشمل ذلك تطوير أنظمة الدفاع، وتوسيع الشراكات مع قوى دولية أخرى، لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
كما تتردد هذه الدول في الانخراط عسكريًا في غزة، رغم طرح فكرة إرسال قوات حفظ سلام، بسبب غياب ضمانات واضحة ووجود مخاطر سياسية وأمنية كبيرة. وتخشى من التورط في صراع طويل غير شعبي داخليًا.
كذلك تظهر تحفظات على تمويل إعادة إعمار غزة دون وجود إطار سياسي واضح يضمن الاستقرار، حيث ترى بعض الدول أن التركيز على الاقتصاد دون السياسة قد يعيد إنتاج الأزمات، كما حدث في تجارب سابقة مثل العراق وأفغانستان.
في النهاية، تكشف هذه التطورات عن لحظة مفصلية في تاريخ الخليج، حيث يتشكل وعي جديد قائم على الاستقلالية والحذر. وبين صراعات متشابكة وضغوط متزايدة، تعيد هذه الدول رسم استراتيجياتها، محاولة تحقيق توازن دقيق بين التحالفات التقليدية ومتطلبات الأمن في عالم سريع التغير.
https://www.chathamhouse.org/publications/the-world-today/2026-03/iran-and-gaza-conflicts-teach-gulf-states-hard-power-lesson

